السيد محمد تقي المدرسي

19

من هدى القرآن

الشاخصة أمام الإنسان ، بل هي في بعضها أشد تجلِّياً ووضوحاً ، ولكن بصيرة البشر محجوبة بالغفلة والشهوة ، وقلبه محاط بالجحود والكبر ، فتراه لا يصدق بها ، ويفسر آياتها وعلائمها بما لها من قوة التأثير عليه بأنها ضرب من السحر . عجباً لهذا الإنسان الخصم اللدود كيف يتعالى على الحقائق وينكرها ، ويزعم أن آثارها على نفسه ليست سوى الخيال المركَّز الذي يسمى بالسحر ، فهل يستطيع أن يفسر نار جهنم أيضا بأنها سحر ؟ . [ 16 ] إن النار حق جلي يراه المتقون في كل إثم ومعصية ، فالكذب والغش والنفاق والخيانة و . . . كل ذلك في بصيرتهم قطعات من نار جهنم ، لهذا تجدهم يتجنبون الموبقات اتقاء جهنم ، أما المكذبون فهم محجوبون عن هذه الحقيقة ، لذلك تجدهم يتخبطون في النار من حيث لا يشعرون ، باقترافهم الذنوب التي تتجسد غداً ناراً حامية ، وتتوضح لهم هذه الحقيقة في الآخرة عندما تتحول جرائمهم إلى تلال من الأفاعي والعقارب . اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ الآخرة بعكس الدنيا تماما ، فلا الصبر والاحتمال ينفع ثمة ولا التحدي والمواجهة ، قد يتألم المرء في الدنيا فيتحمل الألم بالصبر فيجديه سكينة ، كما يستمطر بذلك رحمة الله ، وقد يتحدى الألم بعمل مضاد فيرتفع ويُخفِّف عنه ، أما الآخرة فإن الاستسلام للعذاب لا يخفف عنه ، كما أن مواجهته لا تجديه نفعا ، ذلك أن العذاب الذي يصلاه المكذبون في الآخرة هو بالضبط أعمالهم الدنيوية ، وهناك حساب ولا عمل . بلى ؛ يستطيع الإنسان أن يتقي النار في الدنيا باجتناب السيئات وبالتوبة منها ، ومتى ما عرف الإنسان أنه هو الذي يحدد مستقبله بنفسه ترك الاسترسال مع الظروف والخوض في اللعب ، ونظر إلى الحياة نظرة جادة ، وانطلق نحو تحمل المسؤولية بثبات . [ 17 ] وهذا الإيمان نجده عند المتقين إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ . إن الحياة الدنيا ( دار الابتلاء ) تشبه إلى حد بعيد حقلا مزروعا بالألغام ، والفرق بين المتقين فيها وغيرهم أنهم آمنوا بهذه الواقعية فاتبعوا هدى ربهم ، وساروا ضمن الخط المرسوم لهم ، فوقاهم الله شر ذلك اليوم ، ولق‌َاهم نظرة وسرورا ، في حين كذب الآخرون بذلك فصاروا طعمة للعذاب ، ووقودا لجهنم . [ 18 ] إن الله خلق الناس ليرحمهم ، كما صرح بذلك في قوله : إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [ هود : 119 ] ، وما على الإنسان لكي ينال الرحمة إلا أن يتقي ما يسخط الله فهنالك تشمله رحمات الله .